علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )

232

نسمات الأسحار

إيمان أبوى سيد الخلق صلى اللّه عليه وسلم ممكن ، وليس بعجيب أن يكرمه اللّه تعالى بذلك ، لكنني أنكر ما نقله القرطبي في التذكرة : إن اللّه تعالى أحيا له عمه أبا طالب وآمن به فتدبر ، والباعث على إنكار ذلك ما في الصحيحين من الأخبار بصفة تعذيبه ، وأن شفاعته صلى اللّه عليه وسلم إنما نفعت عمه في تهوين العذاب عنه ، ولم يصح نقل في إحيائه له ، ولكن لا يلزم من وجود النقل الصحيح إنكار ذلك ، والذي يتضح لي الآن واللّه أعلم ، أن الإنسان لا ينبغي له أن يتعرض لأبويه عليه الصلاة والسلام ، ولا لعمه بلعن ولا سب أدبا معه صلى اللّه عليه وسلم وتكون الأحاديث الواردة في إسلامهم شبهة نصرح باللعن وما في معناه عنهم على أنه لم يثبت عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه صرح بلعن أبى طالب قط بل اللائق السكوت عن الخوض في أحواله ، وسردها على العوام عند الخوف من إطلاق ألسنتهم فيه بلعن أو ترحم ، وأمره موقوف موكول إلى اللّه سبحانه وتعالى ، وكذلك أمر أبويه صلى اللّه عليه وسلم كما يسكت عن ذكر حروب الصحابة ، وليس بعزيز على اللّه أن يكرم نبيه بإسلام أبويه وعمه ، وإحيائهم بعد الموت ، ومن معجزاته ما هو أعظم من ذلك واللّه سبحانه وتعالى أعلم . فتدبر واعلم أن معجزات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا تكاد تنحصر لكثرتها ، وقد صنف العلماء في ذلك مجلدات ، واعترفوا بالعجز عن حصر تلك المعجزات ، فمن معجزاته صلى اللّه عليه وسلم القرآن العظيم ، وهو أعظم المعجزات ، قال في السيف المسلول على من سب الرسول : وهو مشتمل على أكثر من سبعين ألف معجزة لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم تحدى بسورة منه وأقصر السور إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ [ الكوثر : 1 ] فكل آية منه معجزة ، ثم فيها معجزات من جهة حسن تأليفه والتآم كلمه وفصاحته ، ووجوه إيجازه وبلاغته الخارقة عادة الفصحاء ، وصورة نظمه العجيب ، والأسلوب الغريب الذي حارت فيه عقولهم وقد لهت فيه أحلامهم ، وما انطوى عليه من الأخبار بالغيبيات ، وما أتى به من أخبار القرون السالفة والشرائع القديمة ، مهما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا أنفذ من آحاد أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلم ذلك ، فيورده النبي صلى اللّه عليه وسلم على وجهه ، ويأتي به على نصه فلا يعلم ما في القرآن من المعجزات إلا اللّه تعالى مع بقائه على ممر الدهر يشاهده ويسمعه المتأخرون كما شاهده وسمعه الأولون ، لا تنقضى عجائبه ، ولا يخلق عن كثرة الرد ، عجزت